الذهبي
مقدمة الكتاب 138
سير أعلام النبلاء
أصبح الكتاب مصورا لجوانب كثيرة من الحركة الفكرية وتطورها عبر سبع مئة سنة ، لان الانسان هو العنصر الحاسم في هذه الحركة ، وبه تتحدد مميزاتها وسماتها ، ويؤثر تكوينه الفكري على تطورها سلبا أو إيجابا . أهميته في دارسة المجتمع : ولما كان الكتاب قد اقتصر على التراجم ، فإنه أشار إلى اتجاه الذهبي وجملة كبيرة من المؤرخين المسلمين نحو تخليد المبرزين في المجتمع ، ولذا فهو في غاية الأهمية لدراسة أحوال المجتمع الاسلامي ، ومنها الأصول الاجتماعية والاقتصادية لمن عرفوا في التاريخ الاسلامي باسم " العلماء " . ودراسة مثل هذه الكتب تشير إلى انعدام الطبقية بين المتعلمين ، وأن تقدير الانسان إنما يكون وفق مقاييس راقية أبرزها علمه ومعرفته ودرايته التي تجعله في مكانة بارزة بين الناس ، وهي موازين على غاية من الرقي الانساني . وقد جربنا المؤلف وهو يمدح فقيرا ويذم غنيا ، ويثني على عبد أسود ، ويتكلم في سيد كبير . وقد أبانت دراستنا لهذا الكتاب أن الغالبية العظمى من هؤلاء " العلماء " قد ظهرت من بين عوائل الحرفيين والمغمورين والمعدمين ، تدل على ذلك انتساباتهم التي ذكرها المؤلف ، وهو أمر أتاحه الاسلام لكل متعلم حينما جعل طلب العلم من الضرورات ، وحض عليه في غير ما مناسبة ، كما تميزت الدراسات بحرية التفكير والابداع ، وكانت متوفرة لكل واحد يطلبها متى أراد ومن غير كلفة ، لأنها كانت في الأغلب في بيوت الله ، من مساجد وجوامع مما يستطيع كل مسلم دخولها ، والإفادة من الدروس التي تلقى فيها . نقول هذا في الوقت الذي اقتصرت فيه النواحي العلمية ومحتويات كتب التراجم عند كثير من الأمم ومنهم الأوربيون في هذه الأعصر على فئات معينة من الناس .